علم النحو : تطوراته ونظرياته ومدارسه والاستفادة منه لتعليم اللغة العربية (المدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية)

علم النحو : تطوراته ونظرياته ومدارسه والاستفادة منه لتعليم اللغة العربية

(المدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية)

 

فكرية محي الدين

رقم التسجيل: 15741002

 

 

 

قسم الدكتورة في تعليم اللغة العربية

كلية الدراسات العليا

جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية مالانج

 

 

الفصل الأول

مقدمة

‌أ-      خلفية البحث

النحو في اللغة يعني القصد والطريق. وفي الاصطلاح إنما هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والإضافة والنسب، وهو في الأصل مصدر شائع أي نحوت نحواً  كقولك: قصدت قصداً. وهو علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقماً، وكيفية ما يتعلق بالألفاظ من حيث وقوعها فيها.[1]

ذهب المصنفون الأوائل إلى أن ظهور النحو كان بسبب من شيوع اللحن في العربية حين اتسعت دائرة المجتمعات العربية القديمة لما كان من فتوح الإسلامية التي نشرت هذه اللغة في المجتمعات الإسلامية التي اعتنقت الإسلام فأقبلت على العربية تتعلمها.

لقد وصل إلينا النحو علماً مستقراً واضحاً، ولكن يجدر بنا أن نعرف عن المدارس النحوية وأن نعلم كيف نشأتها، ثم من هم العلماء من النحاة الذين حملوه إلى الأجيال. واستخدم هذا المصطلح “مدرسة نحوية” يعني وجود جماعة من النحاة، يصل بينهم رباط من وحدة الفكر والمنهج في دراسة النحو.[2] والأساس على تقسيم الدراسات النحوية إلى مدارس: أن المعيار الجغرافي كان الأساس الوحيد لهذا التقسيم، وهذا يوضح لماذا حملت كل مدرسة اسم منطقة.

كتبت الباحثة في هذه المقالة المدارس النحوية بعد البصرة والكوفة يعني: المدرسة البغدادية، والمدرسة الأندلسية، والمدرسة المصرية، وفصلت فيه تطورات هذه المدارس، ونظرياتها، واستفادتها في تعليم اللغة العربية.

‌ب-        أسئلة البحث

تنطلق هذه الدراسة من الأسئلة التالي:

  1. كيف تطورات علم النحو للمدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية؟
  2. ما النظريات النحوية للمدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية؟
  3. كيف استفادة علم النحو في تعليم اللغة العربية للمدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية؟

 

‌ج-       أهداف البحث

قد فصّلت الباحثة إلى ثلاث نقط مناسبة لأسئلة البحث السابقة المذكورة يهدف هذا البحث إلى :

  1. لمعرفة تطورات علم النحو للمدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية.
  2. لمعرفة النظريات النحوية للمدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية.
  3. لمعرفة استفادة علم النحو في تعليم اللغة العربية للمدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية.

الفصل الثاني

البحث

‌أ-     المدرسة البغدادية

1-            تطور المدرسة البغدادية

اتبع نحاة بغداد في القرن الرابع الهجري نهجاً جديداً في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية جميعاً. وكان من أهم ما هيأ لهذا الاتجاه الجديد أن أوائل هؤلاء النحاة تتلمذوا للمبرد وثعلب، وبذلك نشأ جيل من النحاة يحمل آراء مدرستيهما ويعنى بالتعمق في مصنفات أصحابهما والنفوذ من خلال ذلك إلى كثير من الآراء النحوية.

إن الكوفيين كانوا أسبق اتصالا ببغداد وبالخلافة من البصريين لمكان الكوفة منها من الوجهتين السياسية والجغرافية. فكان الكسائي مثلاً ملازماً للرشيد حتى مات في سنة 189ه، وكان تلاميذه يحيى بن زياد الفراء متصلاً بالمأمون وصنف له كتاب الحدود.

وكان أبرز من من نحاة البصرة للاتصال ببغداد هي محاولة سيبويه غير أنها لم تنجح، ثم كانت محاولة محمد بن يزيد المبرد آخر من يذكر في طبقات البصريين (توفي 286ه) للاتصال بالمتوكل فاستطاع أن يتغلب على نده أبي العباس أحمد بن يحي ثعلب (المتوفى سنة 291ه).[3]

وظهر رجال في بغداد بعدهما يأخذون بهذا المذهب أو ذاك أو يمزجون بين المذهبين واختلف المترجمون لهم في عدهم مع البصريين أو الكوفيين أو يطلقون عليهم أحياناً اسم البغداديين وأطلقوا على التطور في التأليف النحوي الذي حدث ببغداد اسم المدرسة البغدادية.[4]

وكان من أهم هذا الجيل من يغلب عليه الميل إلى الآراء الكوفية ومن يغلب عليه الميل إلى الآراء البصرية. وحاول بعض الباحثين المعاصرين أن ينفى وجود المدرسة البغدادية، معتمداً على من ينظمون أفرادها في البصريين والكوفيين.[5]

إن جمهور الجيل الأول من البغداديين كانت تغلب عليه النزعة الكوفية، فسماهم الكوفيين تارة، وتارة سماهم البغداديين، وأهمهم ثلاثة: ابن كيسان المتوفى سنة 299 للهجرة، وابن شقير المتوفى سنة 315ه، وابن الحياط المتوفى سنة 320. وفيهم يقول الزجاجي: “من علماء الكوفيين الذين أخذت عنهم أبو الحسن ابن كيسان وأبو بكر بن شقير وأبو بكر بن الحياط لأن هؤلاء لهم قدوة أعلام في علم الكوفيين، وكان أول اعتمادهم عليه، ثم درسوا على البصريين بعد ذلك فجمعوا بين العلمين”.

وأما الجيل الثاني كانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو الزجاجي، وخلفه أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وكان أشد منه نزوعاً إلى آراء المدرسة البصرية، ولعلهما من أجل ذلك كان ينسبان أنفسهما إلى تلك المدرسة، وهما بغداديان، يقفان غالباً مع البصريين وقد يقفان مع الكوفيين حسب ما يقتضيه اجتهادهما، وقد يخالفهما جميعاً حسب ما صح عندهما من الرأي الصائب.[6]

وتلك هي المنازع العامة للمدرسة البغدادية المذهب البغدادي في الواقع قواعده مزيج من قواعد البصريين والكوفيين في غالب أمره، ولقد تأثر العالم به، إذ كانت بغداد حينئذ كعبة الراغبين في التحصيل، واستمرت كذلك حتى منتصف القرن الرابع الهجري حيث ضعفت الدولة العباسية، وحدثت الاضطرابات وتغلبت دولة بني بويه، وتفرق العلماء تبعاً لتفرق الأحوال، فانطفأ سراج البحث آنذاك في بغداد بعد انتهاء النصف الأول من الدولة العباسية إلا في قليل من أماكنه.

ولقد عاش هؤلاء العلماء هنا وهناك حيث يكون الاستقرار والهدوء والطمأنينة في جو يمكنهم من التأليف، فكانوا في الشام والأندلس ومصر، كما بقي بعضهم في البصرة والكوفة وبغداد.

2-            نظريات للمدرسة البغدادية

1)   ظهر في عصر البغداديين جماعة ممن خلطوا المذهبين (البصري والكوفي) أمال ابن كيسان الذي يعد أول أئمة المدرسة البغدادية، وكان قد أخذ عن المبرد وثعلب وأتقن البصريين والكوفيين في النحو، وكان أبو بكر بن مجاهد، إمام القراء في عصره يقول هو أنحى من ثعلب ومبرد، كما أن له آراء اجتهادية كثيرة انفرد فيها.

2)   بين انصار المذهبين وأتباعهما ممثلين في علمين من أعلامهما عدّا آخر شيوخ البلدان وعلميهما الشهرين اللذين انتهت إليهما رئاسة الدرس النحوي وهما: المبرد وثعلب.

3)   كثرة اللجوء إلى التحليل والتأويل والحجاج والجدل المصحوب بالاستدلال والتعليل، فابن جنّي مثلاً أكثر من التعليل، وكذلك ابن كيسان الذي اعتمد على التعليل ودفعه ذلك إلى تأليف كتابه “المختار في علل النحو”.

4)   استعمال أسلوب تقسيم الموضوع إلى أجزائه وأحواله وأنواعه، ثم حد كل جزء منها بما يميزه من الأجزاء والأنواع الأخرى، ثم البدء بالاستدلال عليها والاحتجاج لها والتعليل لما هو محتاج لذلك.

5)   تأثر بعض البغداديين بألفاظ أهل المنطق وعلم الفلسفة ومصطلحاتهم، فاستخدموها في كتبهم اللغوية والنحوية كالعرض والجوهر والعلة وعلة العلة والدليل والحجة إلى غير ذلك.

6)   الاهتمام بالفصيح من المسموع والتثبت منه، وخير مثال على ذلك كتاب ابن جنّي (الخصائص). كما اهتم بعضهم بالأمثلة الموضوعة للتدريب على مسائل النحو والصرف، وبعضهم اهتم بالموضوعات الصرفية والنحوية والصوتية كابن جني.

7)   اهتمام البعض منهم بالعامل النحوي ووضعوا له الأحكام والأصول، ووضح ذلك عند ابن كيسان المتأثر بالبصريين فلم يجز تقديم المعمول على العامل.

8)   لا تجد الدارسين البغداديين يتابعون مذهباً من المذهبين متابعة خالصة، وإنما اختاروا ما يرون صحته، وقد يقولون برأي ثالث ما لم يقل به أحدهما، مع زيادة في التعليل والتحليل والتأويل والحجاج والاستدلال.[7]

 

3-            نحاة البصرة واستفادة علومه في تعليم اللغة العربية

ابن جني هو عثمان بن جني، وذلك أنه غير عربي، وكان أبوه جني روميّا يونانيّا. وجني، بكسر الجيم وكسر النون مشددة وسكون الياء ليس منسوباً، هو من علم روميّ، ويذكرون أنه معرب من كنّي. وجني تكتب بالحروف اللاتنية ممثلة للفظ اليوناني gennanius، ومعناها: كريم، نبيل، جيد التفكير، عبقري، ومخلص.[8]

وقد أخذ النحو عن أحمد بن محمد الموصلي الشافعي المعروف بالأخفش. وقد أخذ فيما بعد عن أبي علي الفارسي فأكثر الأخذ عنه. وهو الذي أحسن تخريجه ونهج له البحث، وفتق له سبيل الاستقصاء والتوسع في التفكير.[9] أنه اشتغل بالتعليم والتدريس.

        بلغ أبو الفتح في علوم العربية من الجلالة. وقد أصبح ابن جني في مجرى القرون بعده مضرب المثل في معرفة النحو والتبريز فيه.[10] وابن جني يروي كثيراً عن الأعراب الذين لم تفسد لغتهم. وقد اتبع في ذلك سلفه من اللغويين. وكان لا يأخذ عن بدويّ إلا بعد أن يمتحنه ويتبت من أمره.

كتاب الخصائص أو خصائص العربية لأبي الفتح عثمان بن جني، من الكتب اللغوية القيمة. فقد كان له أثر محمود عند جمهور العلماء والأدباء والباحثين والمشتغلين باللغة العربية وفقهها، ووقف الناس على ابن جني على عالم منقطع القرين.

 

‌ب-            المدرسة الأندلسية

1-            تطور المدرسة الأندلسية

لا نكاد نمضي في عصر بني أمية بالأندلس (138-422ه) حتى تنشأ طبقة كبيرة من المؤدبين الذين كانوا يعلمون الشباب في قرطبة وغيرها من الحواضر الأندلسية مبادئ العربية عن طريق مدارس النصوص والأشعار، وكان كثير منهم يرحلون إلى المشرق ويودون إلى موطنهم فيرسمونها للناس بجميع شاراتها كما يرسمون لهم العربية بمقوماتها اللغوية.

وأول نحاة الأندلس بالمعنى الدقيق نحو جودي بن عثمان الموروري، الذي رحل إلى المشرق وتتلمذ الكسائي والفرّاء، وهو أول من أدخل إلى موطنه كتب الكوفيين، وأول من صنف به في النحو، وما زال يدرسه لطلابه حتى توفى سنة 198 للهجرة. وكان يعاصره أبو عبد الله محمد بن عبد الله الذي رحل إلى المشرق، وأخذ بن عثمان بن سعيد المصري، المعروف باسم ورْش قراءته، وأدخلها إلى الأندلس، وكان بصيراً بالعربية.

 ويتكاثر هؤلاء القراء والمؤدبون في القرن الثالث الهجري. ويتميز من بينهم عبد الملك بن حبيب السلمى المتوفى سنة 238 للهجرة، وكان إماماً في الفقه والحديث والنحو واللغة.، وبين مصنفاته كتاب إعراب القرآن.

ويبدوا أن الأندلس تأخرت في عنايتها بالنحو البصري وأنها صبت عنايتها أولا على النحو الكوفي مقتدية بنحويها جودي بن عثمان، حتى إذا أصبح في القرن الثالث الهجري وجد محمد بن موسى بن هاشم المتوفى سنة 307 يرحل إلى المشرق ويلقي بمصر أبا جعفر الدينورى، ويأخذ عنه كتاب سيبويه رواية ويقرؤه بقرطبة لطلابه.[11]

أخذت دراسة النحو تزدهر في الأندلس منذ عصر ملوك الطوائف، فإذا نحاتها يخالطون جميع النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين. هم ينتهجون نهج الأخيرين من الاختيار من آراء نحاة الكوفة والبصرة، ويضيفون إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين وخاصة أبا علي الفارسي وابن جني. ولا يكتفون بذلك، بل يسيرون في اتجاههم من كثرة التعليلات والنفوذ إلى بعض الآراء الجديدة، وبذلك يتيحون لمنهج البغداديين ضروباً من الخصب والنماء.[12]

ويذكر التاريخ نحاة أندلسيين مشهورين كابن سيدة المرسي (458ه)، والسهيلي (581ه)، وابن هشان الخضراوي (0636ه)، وابن مضاء القرطبي (592ه)، وابن مالك صاحب الألفية المشهورة.[13]

ويتميز ابن مالك النحوي كما يظهر من مؤلفاته بكثرة الاختيارات من مذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين وسابقيه من النحاة الأندلسيين مع وضوح آرائه الاجتهادية التي كان ينفرد بها، وتركيزه على مبدأ السماع. فلم يدل بحكم دون الاستناد إلى سماع متعلق به ومن هنا كان لا يقيس على الشاذ ولا يحاول تأويله بل يكتفي يذكره فقط، إما استشهاداته فكانت أكثرها بالقرآن الكريم أولا وإذا لم يجد عدل إلى الحديث، فإن لم يجد عدل إلى شعر العرب ونثرهم.[14]

2-            نظريات للمدرسة الأندلسية

1)   تثقيف بعض منهم بالفلسفة والمنطق والكلام، ومعاناة بعضهم إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شكلها وتقريب المعاني لهم في ذلك.

2)   قيام نهضة لغوية نحوية خصبة على يد القالي، ومدارسة ما حمله من ذخائر اللغة والشعر والنحو من المشرق.

3)   مخالفة نحاة الأندلس لمعظم النحاة السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، واتهاجهم نهج البغداديين في اختيار آراء الكوفيين والبصريين، والخلوص إلى آراء جديدة. وأشهر ما نهج إلى ذلك الأعلم الشنتمري المتوفى سنة 476/1083). كما أنه لا يكتفي في الأحكام النحوية بالعلل الأولى بل كان يطلب علة ثانية للحكم.

4)   الإسهام في تحرير بعض مباحث النحو وأبوابه ومصطلحاته وتذليل مشاكله وصعابه كما فعل ابن مالك الذي كان رائد السماع فهو لا يدلي بحكم دون سماع يسنده. وكان ابن مالك يذكر الشواذ ولا يقيس عليها مثل الكوفيين، ولا يؤولها مثل البصريين، مع تذليله لمشاكل النحو النحو وصعوباته.

 

 

3-            نحاة الأندلس واستفادة علومه في تعليم اللغة العربية

وقد شهد ابن مضاء عصرين من عصور الأندلس، هما عصر المرابطين (493-541ه)، وعصر الموحدين (541-668ه)، فأما عصر المرابطين وهو الذي أظل ابن مضاء في مرحلة الطلب والتلمذة، فقد اتسم عموماً بالجمود الفكري، وكادت تخلو به الأندلس من الحياة الفكرية المنطلقة التي عاشتها الأندلس في ظلال أمراء الطوائف.

ولقد مضى قول ابن مضاء (( إني رأيت النحويين – رحمة الله عليهم – قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن، وصيانته عن التغيير، فبلغوا من ذلك إلى الغاية التي أمر، وانتهوا إلى المطلوب الذي ابتغوا )). إن المدخل الذي سلكه النقاد في مآخذهم على النحاة العرب هو أنهم تزيدووا في نحوهم لا قصروا، وإن كان للمحدثين منهم مآخذ أخرى تتصل بالمنهج ليس هذا مقام ذكرها.[15]

وجد ابن مضاء أن النحاة قد تزيدوا في النحو على صورة طبيعة الدراسة فيه، وأنه وقع بينهم الخلاف فيه وفي كثير من أصوله ما يوشك أن يباعد بينهم وبين مصادره الأولى حتى ليكاد الدارسون له يشغلون به عن اللغة نفسها. وعلى هذا فإن النحو فقد عد ابن مضاء ظاهريا في النحو.

لقد دعا ابن مضاء إلى إسقاط القول بالعامل، وإسقاط العلل الثواني والثوالث، وتمارين التصريف، ولم يكن أول من نادى هذه الآراءن فمن قبله هاجم ابن حزم الظاهري (ت 456ه) العلل النحوية فقال: (( وأما علم النحو مقدمات محفوظة عن العرب، الذين تزيد معرفة فهمهم للمعاني بلغتهم، وأما العلل فيه ففاسدة جداً )).[16]

 

‌ج- المدرسة المصرية

1-       تطور المدرسة المصرية

في القرن الثالث الهجري امتد النحو من البصرة إلى مصر عن طريق الوليد بن محمد التميمي المتوفى (263ه) المشهور بولاد وأصله من البصرة ونشأ بمصر، ثم قصد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتقى فيها بالمهلبي تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأخذ النحو عنه، ثم رحل إلى البصرة والتقى الخليل نفسه، وتلمذ عليه، ثم قفل إلى مصر ومعه كتب النحو واللغة فكان أول من أدخل النحو واللغة إلى مصر.[17]

وتكاد تتفق المراجع التي تتحدث عن الحركة النحوية في مصر على أن النحوي الأول الذي اشتهر بدراسة النحو فيها هو الوليد بن محمد التميمي المشهور بولاد، وقد نشأ بمصر، فأخذ عن الخليل بن أحمد، فكان لجهوده عظيم الأثر في تقدم الدراسات النحوية.

وقد شاركه في العمل على تقدم هذه الدراسة أبو الحسن الأعز. الذي أخذ عن الكسائي إمام الكوفيين، وعلى ذلك نستطيع أن ندرك أن منهج النحويين في مصر قد اتصل في مراحله الأولى بمذهب البصريين، والكوفيين، ولكن الغلبة لمذهب البصريين على الراجح.

وحينما ظهر المذهب البغدادي في القرن الرابع الهجري سرعان ماظهر أره في نحاة مصر الذين لمعت أسماؤهم في هذا القرن نذكر منهم علي بن حسن الملقب بكراع النمل، وكانت وفاته سنة 320ه، ومن أشهر مؤلفاته كتاب المنجد، وكتاب المنتخب.

انتشر النحو في مصر يحتضنه مسجد الفسطاط المعروف بمسجد عمرو بن العاص وكان ممن تصدر لتدريس النحو فيه: ابن ببشاد (المتوفى 469ه)، ابن معط (المتوفى 628ه)، عبد الله بن يوسف بن زيدان (المتوفى 644ه).

وبعد أن قام جوهر الصقلي بأمر المعز لدين الله الفاطمي ببناء الجامع الأزهر بالقاهرة، وثم بناؤه سنة 361ه، وفتحت أبوابه للدرس والتدريس في العام 365ه، غلبت شهرته كمكان للتدريس على ما سواه من المساجد، وغلبت حلقاته الدرسية حلقاتها كثيرة وأهمية. وممن أقرأ النحو فيه: أبو الحسن الحوفي، أبو القاسم الشاطبي، جلال الدين السيوطي، أبو الحسن الأشموني.[18]

ومنهم أبو جعفر النحا، وكانت وفاته 338ه وكان بارعاً في كثير من العلوم مثل القراءات، والحديث، والنحو، واللغة والأدب، وألف العديد من الكتب مثل صناعة الكتاب، والكافي في النحو، وشرح أبيات سيبويه، والتفاحة وهو مختصر  في قواعد اللغة للمبتدئين، وقد عالج مسائله بأسلوب سهل وطريقة ميسرة، ومن ثم قرر بعض الباحثين أن هذا الكتاب ذو اهمية كبيرة لأنه وضع لحاجة تلبية لحاجة الناشئة وكتب في أسلوب ميسر، وبطريقة أقل ما توصف به أنها سهلة مبسطة، وأغلب ظن الباحثون أنه كتب بهدف تقريب نحو اللغة العربية للأجانب، وبقصد مساعدتهم في دراسته، ولذا اختارمؤلفه اسماً جذاباً هو “التفاحة”.[19]

عندما يأتي عصر المماليك، تزداد الحياة العلمية نشاطاً، كما يعظم الدراسات النحوية من هذا النشاط، ويرجع ذلك لعدة أسباب. فقد أخذت العلماء تفد إلى مصر، وبخاصة من بغداد بعد سقوطها في أيدي التتار، وصادف في هذه الفترة نشاط الفرنجة في الأندلس، فقد أخذوا يستردون المدن الواحدة تلو الآخر ومن ثم أخذ علماء الأندلس يرحلون إلى مصر طلباً للأمن، والاستقرار. وقد أكرم المماليك وفادتهم، فطاب لهم المقام، وزاولوا نشاطهم في التأليف، كما زاولوا أيضاً نشاطهم في تدريس العلوم المختلفة في معاهد التعليم التي حرص المماليك على إقامتها، وكان النحو نصيب كبير من هذا النشاط، فقد كثرت مؤلفاته، وتعددت معاهد التعليم التي تعني بتدريسه، وتهافت الطلاب على دراسته، وحسبهم أن يكون منهم أبو محمد عبد الله جمال الدين بن هشام الذي قال عنه ابن خلدون (( ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه )).[20]

والواقع أن القارئ في مؤلفات ابن هشام يدرك في يسر، وسهولة ما يمتاز به هذا الإمام من جمال الأسلوب، وحسن التعليل، وغزارة العلم، ودقة الترتيب، والقدرة على التصرف في الكلام بالإسهاب والإيجاز حسبما يريد، والتوفيق في اختيار الرأي من غير تحيز للبصريين أو الكوفيين، ومن ثم غلب عليه مذهب البغداديين الذي تمثل بوضوح في منهج ابن جني.[21]

وقد ألف كثيرا من الكتب، وذكر منها بعض الباحثين تسعة وعشرين كتاباً، وهكذا لابن هشام عظيم الأثر في الدراسات النحوية بمصر.

عرفت بالتضارب في اتجاهاتها، فقد اتصلت بالبصرة أولاً والكوفة ثانياً، ثم توجه بعض علمائها إلى بغداد الأمر الذي أدى إلى تلاحمها معها، ولكنها أخذت فيما بعد تمزيج الآراء النحوية المختلفة وتوازن بينها، ومن هنا شاعت في أحكام نحاتها آراء متضاربة. أشهر نحاتها ابن الحاجب (636ه)، وابن هشام (751ه)، وابن عقيل (769ه).[22]

2-       نظريات المدرسة المصرية

1)   اتصال الدراسات النحوية المصرية في زمن مبكر بإما

2)   التحام النحو المصري بنحو المدرسة البغدادية مع نشأتها المبكرة، مع ازدهاره وتنشيطه في عصر المماليك. ومنهجه بعامة هو منهج المدرسة البغدادية على نحو ما كان يتصوره أبو علي الفارسي وابن جنّي.

3)   النشاط الملحوظ لواضع الشروح والحواشي منذ عصر ابن هشام جمال الدين عبد الله بن يوسف الأنصاري المصري. فممّن عني بذلك ابن عقيل عبد الله بن عبد الرحمن. واستمرار هذا النشاط حتى العصر العثماني وتكاثر الشروح والحواشي.

4)   تخير نحاتهم للآراء النحوية التي تستقيم وحججهم وبراهينهم، كما فعل السيوطي الذي اختار لنفسه من مذاهب النحويين ما يتجه عند تعليله وما يراه أكثر صواباً، وفي بعض الأحيان قد يشتق لنفسه بعض الآراء الجديدة. وقد كان السيوطي ألمع نحاة مصر بعد ابن هشام، وله في النحو مصنفات مختلفة،  منها ما يتناول أصوله  مثل كتاب (الاقتراح) و (الأشباه والنظائر) ومنها ما يتناول قواعده مثل (همع الهوامع) وهو موسوعة جامعة لآراء النحاة في المدارس السالفة على مر الأجيال والعصور.[23]

 

3-       المدرسة المصرية واستفادتها في تعليم اللغة العربية

طارت شهرة ابن هشام في العربية منذ نشأته، فأقبل عليه الطلاب من كل فج يفيدون من علمه ومباحثه النحوية الدقيقة واستنباطه الرائعة. وبلغ الإعجاب به لدى بعض معاصريه حدًّا جعلهم يقولون إنه أنحى من سيبويه. وخلف في العربية مصنفات كثيرة من أهمها كتاب (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) وقد اختط له منهجاً لم يسبق إليه، إذ لم يقمه على أبواب النحو المعروفة، بل قسمه قسمين كبيرين قسماً أفرده للحروف والأدوات التي تشبه مفاتيح البيان في لغتنا، ومضى يوضح وظائفها وطرق استخدامها مع عرض جميع الآراء المتصلة بها عرضاً باهراً. أما القسم الثاني فتحدث فيه عن أحكام الجملة وأقسامها المتنوعة وأحكام الظرف والجار والمجرور وخصائص الأبواب النحوية وصور العبارات الغريبة، وقد طبع هذا الكتاب مراراً، وطبع معه شرحان أو حاشتان للأمير والدسوقي.[24]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الخلاصة

المدرسة البغدادية لاحظت أنها تداولها جيلان : أما الجيل الأول فغلبت عليه النزعة الكوفية على نحو ما نجد عند ابن كيسان. وأما الجيل الثاني كانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو الزجاجي، وخلفه أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني، وكان أشد منه نزوعاً إلى آراء المدرسة البصرية، ولعلهما من أجل ذلك كان ينسبان أنفسهما إلى تلك المدرسة، وهما بغداديان، يقفان غالباً مع البصريين وقد يقفان مع الكوفيين حسب ما يقتضيه اجتهادهما، وقد يخالفهما جميعاً حسب ما صح عندهما من الرأي الصائب.

ويبدوا أن الأندلس تأخرت في عنايتها بالنحو البصري وأنها صبت عنايتها أولا على النحو الكوفي مقتدية بنحويها جودي بن عثمان، حتى إذا أصبح في القرن الثالث الهجري وجد محمد بن موسى بن هاشم المتوفى سنة 307 يرحل إلى المشرق ويلقي بمصر أبا جعفر الدينورى، ويأخذ عنه كتاب سيبويه رواية ويقرؤه بقرطبة لطلابه.

وتكاد تتفق المراجع التي تتحدث عن الحركة النحوية في مصر على أن النحوي الأول الذي اشتهر بدراسة النحو فيها هو الوليد بن محمد التميمي المشهور بولاد، وقد نشأ بمصر، فأخذ عن الخليل بن أحمد، فكان لجهوده عظيم الأثر في تقدم الدراسات النحوية. وقد شاركه في العمل على تقدم هذه الدراسة أبو الحسن الأعز. الذي أخذ عن الكسائي إمام الكوفيين، وعلى ذلك نستطيع أن ندرك أن منهج النحويين في مصر قد اتصل في مراحله الأولى بمذهب البصريين، والكوفيين، ولكن الغلبة لمذهب البصريين على الراجح

المراجع

أبي الفتح عثمان بن جنّي، الخصائص، (المكتبة العلمية- القاهرة، 1371ه).

ابن مضاء القرطبي، الرد على النحاة، (دار الاعتصام، 1399ه- 1979م).

أحمد مختار عمر. البحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر. (عالم  الكتب: القاهرة، 2003)

إبراهيم يوسف قاقيس، المفاهيم النحوية تصنيفها وتطبيقاتها التربوية، (الجامعة الأميريكية- بيروت، 1971ه).

شوقي ضيف. المدارس النحوية. (دار المعارف: القاهرة 1968م).

عبد الهادي الفضلي، مراكز الدراسات النحوية، (مكتبة المنار- الأردن، 2002)

عوض محمد القوزي، المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري، (جامعة الرياض، 1401ه- 1981م)

فاضل صالح السامرائي، الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، (الإرشاد-بغداد، 1390ه).

مصطفى عبد العزيز السنجرجي، المذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة. (الفيصلية – جدة).



[1]  عوض محمد القوزي، المصطلح النحوي نشأته وتطوره حتى أواخر القرن الثالث الهجري،
(جامعة الرياض، 1401ه- 1981م)، ص 7

[2] أحمد مختار عمر، البحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر، (عالم الكتب: القاهرة، 2003)، ص 128

[3]  فاضل صالح السامرائي، الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، (الإرشاد-بغداد، 1390ه)، ص 29

[4] فاضل صالح السامرائي، الدراسات اللغوية والنحوية عند الزمخشري، (الإرشاد-بغداد، 1390ه)،

ص 29

[5] شوقي ضيف، المدارس النحوية، (دار المعارف: القاهرة، 1968م)، ص 245

[6] شوقي ضيف، المدارس النحوية، (دار المعارف: القاهرة، 1968م)، ص 248

[7] خضر موسى محمد حمّود، النحو والنحاة المدارس والخصائص، (عالم الكتب بيروت- لبنان، 1423ه- 2003م)، ص 256

[8]  أبي الفتح عثمان بن جنّي، الخصائص، (المكتبة العلمية- القاهرة، 1371ه) ص 8

[9] أبي الفتح عثمان بن جنّي، الخصائص، ، ص 14

[10] أبي الفتح عثمان بن جنّي، الخصائص، ص 24

[11]  شوقي ضيف، المدارس النحوية، (دار المعارف: القاهرة، 1968م)، ص 289

[12] شوقي ضيف، المدارس النحوية، (دار المعارف: القاهرة، 1968م)، ص 293

[13] إبراهيم يوسف قاقيس، المفاهيم النحوية تصنيفها وتطبيقاتها التربوية، (الجامعة الأميريكية- بيروت، 1971ه)، ص 5

[14] إبراهيم يوسف قاقيس، المفاهيم النحوية تصنيفها وتطبيقاتها التربوية، (الجامعة الأميريكية- بيروت، 1971ه)ص 6

[15] ابن مضاء القرطبي، الرد على النحاة، (دار الاعتصام، 1399ه- 1979م)، ص 10

[16] ابن مضاء القرطبي، الرد على النحاة، (دار الاعتصام، 1399ه- 1979م)، ص 10

[17]  عبد الهادي الفضلي، مراكز الدراسات النحوية، (مكتبة المنار- الأردن، 2002)، ص 60

[18] عبد الهادي الفضلي، مراكز الدراسات النحوية، (مكتبة المنار- الأردن، 2002)، ص 63

[19] مصطفى عبد العزيز السنجرجي، المذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، (الفيصلية – جدة، 1404ه) ص 93

[20] مصطفى عبد العزيز السنجرجي، المذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة،(الفيصلية – جدة، 1404ه)  ص 97

[21] مصطفى عبد العزيز السنجرجي، المذاهب النحوية في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، ص 97

[22]  إبراهيم يوسف قاقيس، المفاهيم النحوية تصنيفها وتطبيقاتها التربوية، (الجامعة الأميريكية- بيروت، 1971ه)، ص 23

[23] إبراهيم يوسف قاقيس، المفاهيم النحوية تصنيفها وتطبيقاتها التربوية، (الجامعة الأميريكية- بيروت، 1971ه)، ص 27

[24] شوقي ضيف، المدارس النحوية، (دار المعارف: القاهرة 1968م)، ص 347

 

علم النحو : تطوراته ونظرياته ومدارسه والاستفادة منه لتعليم اللغة العربية (المدرسة البغدادية والأندلسية والمصرية) | Moch Wahib Dariyadi | 4.5

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *